عبد الرحمن السهيلي

171

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

اختلافاً في عبد المطلب ، وأنه قد قال فيه : مات مسلماً لما رأى من الدلائل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وعلم أنه لا يبعث إلا بالتوحيد ، فالله أعلم ، غير أن في مسند البزار ، وفي كتاب النسوي من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة ، وقد عزت قوماً من الأنصار عن ميتهم : لعلك بلغت معهم الكدى ، ويروى الكرى بالراء ، يعني : القبور ، فقالت : لا ، فقال : لو كنت معهم الكدى أو كما قال ، ما رأيت الجنة ، حتى يراها جد أبيك ، وقد أخرجه أبو داود ، ولم يذكر فيه حتى يدخلها جد أبيك ، وكذلك لم يذكر فيه : ما دخلت الجنة ، وفي قوله : جد أبيك ، ولم يقل : جدك يعني : أباه توطئة للحديث الضعيف الذي قدمنا ذكره أن الله أحيا أمه وأباه ، وآمنا به ، فالله أعلم ، ويحتمل أن يكون أراد تخويفها بقوله : حتى يدخلها جد أبيك ، فتتوهم أنه الجد الكافر ، ومن جدوده عليه السلام : إسماعيل وإبراهيم ، لأن قوله عليه السلام حق ، وبلوغها معهم الكدى لا يوجب خلوداً في النار ، فهذا من لطيف الكناية فافهمه ، وحكي عن هشام بن السائب أو ابنه أنه قال : لما حضرت أبا طالب الوفاة جمع إليه وجوه قريش ، فأوصاهم ، فقال : يا معشر قريش ، أنتم صفوة الله من خلقه ، وقلب العرب ، فيكم السيد المطاع ، وفيكم المقدم الشجاع ، والواسع الباع ، واعلموا أنكم لم تتركوا للعرب في المآثر نصيباً إلا أحرتموه ، ولا شرفاً إلا أدركتموه ، فلكم بذلكم على الناس الفضيلة ولهم به إليكم الوسيلة ، والناس لكم حزب ، وعلى حربكم ألب ، وإني أوصيكم بتعظيم هذه البنية ، فإن فيها مرضاةً للرب ، وقواماً للمعاش ، وثباتاً للوطاة ، صلوا أرحامكم ولا تقطعوها ، فإن في صلة الرحم منسأةً في الأجل ، وسعةً في العدد ، واتركوا البغى والعقوق ، ففيهما هلكة القرون قبلكم ، أجيبوا الداعي ، وأعطوا السائل ، فإن فيهما شرف الحياة والممات ، عليكم بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، فإن فيهما محبةً في الخاص ، ومكرمةً في العام ، وإني أوصيكم بمحمد خيراً ، فإنه الأمين في قريش ، والصديق في العرب ، وهو الجامع لكل ما أوصيتكم به ، وقد جاء بأمر قبله الجنان ، وأنكره اللسان مخافة الشنآن ، وأيم الله كأني أنظر إلى صعاليك العرب ، وأهل البر في الأطراف والمستضعفين من الناس ، قد أجابوا دعوته ، وصدقوا كلمته وعظموا أمره ، فخاض بهم غمرات الموت ، فصارت رؤساء قريش وصناديدها أذناباً ودورها خراباً ، وضعفاؤها أرباباً ، وإذا أعظمهم عليه ، أحوجهم إليه ، وأبعدهم منه ، أحظاهم عنده ، قد محضته العرب ودادها ، وأصفت له فؤادها ، وأعطته قيادها ، دونكم يا معشر قريش ابن أبيكم ، كونوا له ولاةً ولحزبه حماةً ، والله لا يسلك أحد منكم سبيله إلا رشد ، ولا يأخذ أحد بهديه إلا سعد ، ولو كان لنفسي مدة ، ولأجلي تأخير ، لكففت عنه الهزاهز ، ولدافعت عنه الدواهي ، ثم هلك . تفسير المشي في سورة ص : فصل : وذكر ما أنزل الله تعالى في قولهم : « أنِ امْشُوا واصْبِروا على آلهتِكم » وذكر بعض أهل التفسير أن قولهم : امشوا من المشاء ، لا من المشي والمشاء : نماء المال وزيادته ، يقال مشى الرجل ، وأمشى : إذا نما ماله قال الشاعر : وكلّ فتىً وإن أمشى وأثرى * ستخلجة عن الدّنيا منون وقال الراجز : * والشّاة لا تمشي على الهملّع *